السيد كمال الحيدري

358

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

بَانَ الشيءُ بياناً ، أي : اتّضح وظهر وانكشف فهو بيِّن ، ولكنه في ضوء المعطيات المتقدِّمة سيكون معناه الأقرب هو الفصل والتمييز ، أي : قد فصل وتميَّز الرشد من الغيّ ، والانفصال والتمييز لا يكونان إلا برفع جميع الشبهات من جهة ، وبإقامة الحجّة البالغة من جهة أُخرى . فليس هنالك خلط والتباس ، وإلا لم يتحقَّق التبيين ، وإذا لم يتحقَّق ذلك فستكون الأُمّة على خطر عظيم ، حيث لا يُصبح الناس في مأمن من نفس المُبلِّغ لإمكان أن يُوجد بسبب ضعف بيانه شكّاً وشبهات ، والشكّ والشبهة أرضية خصبة لتولّد الكفر ، فقد جاء في الخبر عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : ( بني الكفر على أربع دعائم : الفسق ، والغلوّ ، والشكّ ، والشبهة ) « 1 » . ولعلّ السرَّ الأعظم في ضلالة الكثير من الفرق الإسلامية هو عدم وصول مُبلّغيها إلى مرتبة الفصل والتمييز بين الرشد والغيّ ، فكان تبليغهم للباطل بالباطل أكثر ممَّا هو تبليغ للحقّ بالحقّ ، فالتبليغ ليس مجرّد نطق بالكلمات الحقَّة ، فالنطق أعمّ من التبيين ، وإنما التبليغ هو البيان بمعنى الفصل والتمييز بين الرشد والغيّ ، والرشد هو كلّ ما ينتمي للحقّ ، والغيّ هو كلّ ما ينتمي للباطل ، وقد قيل بأنَّ البهائم لم تُسمَّ بذلك لعدم نطقها ، فإنها لها نطقها الخاصّ بها ، وإنما لأجل انبهام نطقها ، فهي عجماء لا بيان لها ، وبعبارة أُخرى : إنَّ نطقها مبهم لا فصل ولا تمييز فيه ، فلا يُفهم منه شيء ؛ والإنسان هو الآخر قد يتكلَّم بكلمات واضحة مفهومة ، ولكننا نعجز عن الوصول إلى مراده ، وهذا يعني افتقار كلامه للبيان ، فلا فصل ولا تمييز في مجموع كلماته . ولأجل ذلك حرص القرآن الكريم على وصف نفسه بالبيانية ، فقال : هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( آل عمران : 138 ) ، وقوله :

--> ( 1 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 391 ، ح 1 . باب : دعائم الكفر وشعبه . .